استطلاع حقوقي يكشف التساهل مع الإقصاء العنصري في سوق العقارات الفرنسي
استطلاع حقوقي يكشف التساهل مع الإقصاء العنصري في سوق العقارات الفرنسي
أعاد استطلاع حديث فتح ملف التمييز العنصري في سوق السكن الفرنسي، كاشفاً عن ممارسات مقلقة داخل وكالات عقارية يفترض أنها تعمل وفق القانون وتكافؤ الفرص، النتائج تشير إلى أن ما يقرب من نصف الوكالات التي شملها الاستطلاع قبلت أو سهّلت بشكل مباشر أو غير مباشر اختيار المستأجرين على أساس عرقي، في مشهد يعكس فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع اليومي للباحثين عن مسكن.
ونقلت وكالة فرانس برس، الاثنين، عن صحيفة لو باريزيان أن الاستطلاع استند إلى تحقيق أجرته منظمة "إس أو إس راسيزم" المناهضة للتمييز خلال عام 2025، شمل التواصل مع 198 وكالة عقارية في مختلف أنحاء فرنسا، للكشف عن مدى التزامها بالقانون الذي يجرم التمييز في الحصول على السكن.
أرقام تكشف الواقع
اعتمدت المنظمة في تحقيقها على التواصل مع الوكالات بصفتها جهة تعمل في استملاك العقارات، وقدمت طلباً صريحاً لاختيار مستأجرين أوروبيين فقط، بذريعة تجنب المشكلات المحتملة، وهذا الأسلوب الذي يحاكي مواقف واقعية يواجهها الوسطاء العقاريون سمح بقياس ردود الفعل الفعلية للوكالات بعيداً عن التصريحات الرسمية.
أظهرت النتائج أن 48 وكالة من أصل 198، بنسبة 24.2 بالمئة، وافقت بشكل مباشر على اختيار المستأجرين على أساس عرقي، وفي المقابل سمحت 48 وكالة أخرى للمالك المحتمل باتخاذ قرار التمييز بنفسه أو شجعته على ذلك، ما يعني أن 96 وكالة، أي ما يقارب نصف العينة، شاركت بطريقة ما في تسهيل أو تشجيع ممارسات تمييزية، وفي المقابل رفضت 102 وكالة، بنسبة 51.5 بالمئة، هذا الطلب وعارضت صراحة أي اختيار يقوم على معايير عرقية.
تمييز محظور قانوناً
وأكدت منظمة إس أو إس راسيزم في بيانها أن هذه النتائج تسلط الضوء على استمرار مقلق لممارسات تمييزية محظورة بموجب القانون الجنائي في فرنسا، مشددة على أن التمييز في السكن يعد من أخطر أشكال الإقصاء الاجتماعي، لما له من تأثير مباشر في الاستقرار والاندماج والكرامة الإنسانية.
وعلقت وزيرة المساواة أورور بيرج على نتائج الاستطلاع بالقول إن التقرير يظهر أن الطريق لا يزال طويلاً أمام القضاء على التمييز، مجددة تأكيد أن التمييز غير قانوني أياً كانت مبرراته، وأشارت إلى أن الحكومة تنظر بجدية إلى ما كشفه التحقيق، معتبرة أن الأرقام لا يمكن تجاهلها.
تدريب إلزامي مرتقب
وأعلنت بيرج عن نية الحكومة الفرنسية إدخال تدريب إلزامي حول مكافحة التمييز لجميع وكلاء العقارات، موضحة أن التدريب الإجباري الحالي يقتصر على حاملي التراخيص المهنية فقط، وهم أقل من نصف العاملين في القطاع، وأكدت أن مرسوماً بهذا الشأن قد يصدر خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة تهدف إلى سد الثغرات القانونية والعملية التي تسمح باستمرار هذه الممارسات.
لم تكن نتائج عام 2025 استثناء، إذ أجرت منظمة إس أو إس راسيزم استطلاعات مماثلة في عامي 2019 و2022، وأظهرت المقارنة عدم تسجيل أي تحسن ملموس، ففي عام 2022، قبلت 48.5 بالمئة من أصل 136 وكالة طلبات تمييزية، إما بشكل مباشر بنسبة 25 بالمئة أو عبر تسهيلها بنسبة 23.5 بالمئة، ما يؤكد أن المشكلة بنيوية وليست ظرفية.
رسالة إلى المشرعين
وفي رسالة وجهها إلى المشرعين في فرنسا، دعا رئيس منظمة إس أو إس راسيزم دومينيك سوبو النواب إلى التحدث بصوت عالٍ وواضح ضد التمييز، مطالباً بتشديد الرقابة والعقوبات، وتعزيز آليات الشكاوى لحماية الضحايا وضمان عدم إفلات المخالفين من المساءلة.
لا يقتصر أثر التمييز في السكن على حرمان الأفراد من حق أساسي فحسب، بل يمتد ليكرس العزل الاجتماعي ويعمق الفوارق بين فئات المجتمع، فصعوبة الوصول إلى مسكن لائق تؤثر في فرص العمل والتعليم والاستقرار الأسري، وتدفع بعض العائلات إلى القبول بظروف سكنية غير آمنة أو بعيدة عن مراكز الخدمات.
فجوة بين القانون والممارسة
رغم أن القانون الفرنسي يجرم التمييز على أساس الأصل أو العرق أو الدين في جميع مراحل المعاملات العقارية، تكشف نتائج الاستطلاع عن فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق العملي، ويرى مراقبون أن ضعف الرقابة وقلة الشكاوى الموثقة، إضافة إلى الخوف من العواقب، تشجع بعض الوكالات على الاستمرار في هذه الممارسات.
يشدد حقوقيون على أن مكافحة التمييز في السكن لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تتطلب التزاماً حقيقياً من المهنيين في القطاع العقاري، ودوراً فاعلاً للمجتمع المدني، إضافة إلى وعي المستأجرين بحقوقهم واستعدادهم للتبليغ عن أي انتهاكات.
يعد الحق في السكن دون تمييز أحد المبادئ الأساسية التي يكفلها القانون الفرنسي والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها فرنسا، ومنها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ومع ذلك تظهر تقارير متكررة لمنظمات حقوقية أن التمييز في سوق الإيجار لا يزال قائماً، خاصة بحق أشخاص من أصول مهاجرة أو أقليات عرقية، وتتنوع أشكاله بين الرفض المباشر والتسويف وفرض شروط إضافية غير مبررة، وتؤكد هذه التقارير أن معالجة المشكلة تتطلب مزيجاً من التشريعات الصارمة، والتدريب الإلزامي، والعقوبات الرادعة، إلى جانب حملات توعية تكرس مبدأ المساواة وتعيد الثقة إلى سوق سكن يفترض أن يكون مفتوحاً أمام الجميع دون استثناء.











